الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
274
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
هذه الآية تستأنف ما جاء في الآيات السابقة من الكلام مع المشركين وتحذيرهم من مصيرهم يوم القيامة ، فتتحدث عن " الحشر " وبعث عام يشمل جميع الكائنات الحية والحيوانات ، فتقول أولا : وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم . يتضح من هذا أن فصائل الحيوان والطيور أمم مثل البشر ، غير أن للمفسرين أقوالا مختلفة بشأن وجه الشبه في هذا التمثيل . بعض يقول : إن التشابه يختص بأسرار خلقتها العجيبة التي تدل على عظمة الخالق سبحانه . وبعض آخر يرى التشابه في حاجاتها الحياتية المختلفة وفي طرق سد تلك الحاجات وإشباعها . ومنهم من يعتقد أن التشابه كائن في تشابه الإدراك والفهم والمشاعر ، أي أن للحيوان والطير أيضا - إدراكه ومشاعره في عالمه الخاص ، ويعرف الله ويسبح له ويقدسه بحسب طاقته ، وإن تكن قوة إداركه أدنى مما في الإنسان ، ثم إن ذيل هذه الآية - كما سيأتي بيانه - يؤيد هذا الرأي الأخير . ثم تقول الآية : ما فرطنا في الكتاب من شئ . لعل المقصود بالكتاب هو القرآن الذي يضم كل شئ ( مما يتعلق بتربية الإنسان وهدايته وتكامله ) يبينه مرة بيانا عاما ، كالحث على طلب العلم مطلقا ، ومرة بيانا تفصيليا كالكثير من الأحكام الإسلامية والقضايا الأخلاقية . ثمة احتمال آخر يقول : إن المقصود بالكتاب هو " عالم الوجود " إذ أن عالم الخليقة مثل الكتاب الضخم ، يضم كل شئ ولا ينسى شيئا . ليس ثمة ما يمنع من أن تشمل الآية كلا التفسيرين ، فالقرآن لم يترك شيئا تربويا إلا وذكره بين دفتيه ، كما أن عالم الخليقة يخلو من كل نقص وعوز . وتختم الآية بالقول : ثم إلى ربهم يحشرون .